الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
146
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عنها . والبهتان مصدر مثل الكفران والغفران . والبهتان : الخبر الكذب الذي يبهت السامع لأنه لا شبهة فيه . وقد مضى عند قوله تعالى : وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً في سورة النساء [ 156 ] . [ 17 ، 18 ] [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 17 إلى 18 ] يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 17 ) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 18 ) بعد أن بيّن اللّه تعالى ما في خبر الإفك من تبعات لحق بسببها للذين جاءوا به والذين تقبلوه عديد التوبيخ والتهديد ، وافتضاح للذين روّجوه وخيبة مختلقة بنقيض قصدهم ، وانتفاع للمؤمنين بذلك ، وبيّن بادئ ذي بدء أنه لا يحسب شرا لهم بل هو خير لهم ، وأن الذين جاءوا به ما اكتسبوا به إلا إثما ، وما لحق المسلمين به ضر ، ونعى على المؤمنين تهاونهم وغفلتهم عن سوء نية مختلقيه ، وكيف ذهلوا عن ظن الخير بمن لا يعلمون منها إلا خيرا فلم يفندوا الخبر ، وأنهم اقتحموا بذلك ما يكون سببا للحاق العذاب بهم في الدنيا والآخرة ، وكيف حسبوه أمرا هيّنا وهو عند اللّه عظيم ، ولو تأملوا لعلموا عظمه عند اللّه ، وسكوتهم عن تغيير هذا ؛ أعقب ذلك كله بتحذير المؤمنين من العود إلى مثله من المجازفة في التلقي ، ومن الاندفاع وراء كل ساع دون تثبت في مواطئ الأقدام ، ودون تبصر في عواقب الإقدام . والوعظ : الكلام الذي يطلب به تجنب المخاطب به أمرا قبيحا . وتقدم في آخر سورة النحل [ 125 ] . وفعل يَعِظُكُمُ لا يتعدى إلى مفعول ثان بنفسه ، فالمصدر المأخوذ من أَنْ تَعُودُوا لا يكون معمولا لفعل يَعِظُكُمُ إلا بتقدير شيء محذوف ، أو بتضمين فعل الوعظ معنى فعل متعدّ ، أو بتقدير حرف جر محذوف ، فلك أن تضمّن فعل يَعِظُكُمُ معنى التحذير . فالتقدير : يحذركم من العود لمثله ، أو يقدّر : يعظكم اللّه في العود لمثله ، أو يقدر حرف نفي ، أي أن لا تعودوا لمثله ، وحذف حرف النفي كثير إذا دل عليه السياق ، وعلى كل الوجوه يكون في الكلام إيجاز . والأبد : الزمان المستقبل كله ، والغالب أن يكون ظرفا للنفي .